موقع مجموعة الاربعاء الثقافي سبها

يهتم بنشر نصوص واعمال محموعة الاربعاء الثقافية ومساهمات القراء وبرامج ثقافية اخرى
 
الرئيسيةاليوميةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قراءة في قصيدة (الأم) للشاعر الزروق البريكي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالرحمن
الادارة
الادارة


الاسم الثلاثي : عبدالرحمن مسعود جماعة
عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 29/12/2009

مُساهمةموضوع: قراءة في قصيدة (الأم) للشاعر الزروق البريكي   الإثنين يناير 04, 2010 2:02 am



عندما قررت كتابة هذه القراءة ذُهلت كيف استطاع البريكي أن يجسد معانٍ عظيمة في واحد وعشرين بيتاً فقط.
وكيف لي أن استلَّ هذه المعاني من قصيدة حِيكت بمهارة فائقة إلى درجة أن مجرد محاولة تفكيكها ونثرها تُعد مغامرة غير محمودة العواقب قد تضر بالقصيدة أو بالقراءة أو بالإثنين معاً ..
لكنني ولكي لا أفشل في مهمتي هذه يمكنني أن أعتذر للقارئ بأن ما أكتبه هو مجرد تأملات .. وبهذا أستطيع أن أنجو من سخط القارئ الناقد الذي قد لا تعجبه ولا ترضيه قراءتي هذه .. ولا يستطيع هو أي القارئ الناقد أن يحتج علي بأن قراءتي هذه مقتضبة أو ناقصة أو أنها تفتقر إلى منهجية معينة .
ولكي لا يأخذني التبرير بعيداً أبدأ في صلب الموضوع.
كان هناك خيـــــــــر من الهواء وضي الشمس ووصول السحاب
وخُضرت لرض ونجوم السماء وافخر ليـــــــكال وانواع الشراب
وعز المال وانجاب الابنـــــــــاء وكسب القوت وخيـــــــار الدواب
والسلطان وقشور الحيــــــــــاة فقده كيــــــــــف فقدان الصــواب
يبدأ الزروق البريكي قصيدته بأداة شرط وهي (كان) وكان هنا بمعنى ( لو ) أو ( إذا كان ) وهي بلا شك أداة شرط تستلزم جواباً إذ أن لكل شرط جواب .. لكنك وحتى آخر بيتٍ في القصيدة لا تجد جواباً لهذا الشرط.
وهو جواب شرط محذوف دلًّ على حذفه قوله ( فقده كيف فقدان الصواب ) فالهاء في كلمة (فقده) ضمير عائد على إسم ضمن جواب الشرط ، وهو المقصود بالتفضيل.
وحذف جواب الشرط في اللغة معروف وإنما يراد به التهويل أو التشويق وهو كثير في الفصحى والعامية كقولهم ( لو علمت ما حصل لنا ) وتقديره : لتعجبتَ ..
ومثاله قوله تعالى ( وَلَوْ أَنَّ قُرآناً سُيرَتْ بِِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعت بهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بهِ المَوتَى بَل للهِ الأمْرُ جَمِيعاً ....)[من الآية 31 من سورة الرعد] وتقدير الجواب المحذوف : لكان هذا القرآن.
وقد نجح البريكي في تشويق السامع إلى حدٍ كبيرٍ ، وشد انتباهه إلى أن ثمة شيء ذا قيمة تفوق قيمة كل ما ذُكر ، فيُرهف السامع سمعه ويتحرق انتظاراً لما سيأتي .. ويتساءل : أي شيء أفضل من كلِّ ما طلعت عليه الشمس .. وبدلاً من أن يخبرنا عن هذا المفضل نجده يزيد من تشويقنا وشد انتباهنا ويهوِّل لنا عاقبة فقده وبأن خسارته هي أشبه بالجنون.
ثم يبدأ في وصف هذا الغالي الذي هو أفضل من الدنيا وما عليها دون أن يفصح عنه ، بل يكشف عنه رويداً رويداً بالتعريف بقيمته وسوء عاقبة من فقده
كان حذاك ما تشبح شقـــــــــا وكان بعيــــــــد تزهـــى بالعذاب
ما دامه حـــي وانت فـــي زهاء وكانا غاب ترضـــــى بالعقـــاب
غلاها سمح ما كيـــــــفه غلاء حبيــــــــب ودود ما زيــه احباب
نعاف الناس نسكن في الخـــــلا انطيــــــــر انهج نحفر في التـــراب
وراي وراي طيــــــفه في المساء انوظ الصبــــح لاونه ســـــراب
رحيــلك مر يا شمس الضـحى يجيـــــــب الشيب في عز الشباب
الرحمة تزول ويـــــــتم الوفاء ابعدك تنوض ويـــــــــعم الخراب
كل هذه الأهوال من أجل فقد شخص واحد ..!!
فمن هو يا تُرى..؟؟
في أبيات رائعة جمع فيها الشاعر بين التصريع والترصيع يخبرنا أن هذا المحبوب تختل بفقده جميع المعادلات ويعجز الحساب عن ضبط الحياة ويموت بموته الزمان
اسبوعي شـهر وايـــــامي سواء وليـــــــــلي عمر وسنيني أحقاب
عيــــوني نهر يــجرن في الخفا نفد الصبر والكميـــــــــــــان ذاب
وقلبــــي جمر من قل الهنـــا وحظي صفر زايـــــــد فالعطاب
وخلقـــي شبر نحسب للـرخا ويـــــــــطلع كسر نغلط فالحساب
هذا ما يحل بمن فقد هذا المحبوب والأشد من هذا كله هو أن هذا المحبوب لا يُعَوض ، ولا يمكن أن يحل محله أي شخص آخر مهما كان قريباً .
فكل داء له علاج إلا داء اليتم
وكل فراق له لقاء إلا فراق الموت
وكل مفقود له عِوض إلا الأم
ويــــــن مريض ميموله شفاء ويـــــــــــن مرض تاجدله أسباب
ويــــــن وجع تلقــــــاله دواء ويـــــــــــن كريـــه يالقاله أحباب
ويـــــن ضيق ميمولة الرخاء وفويــــــن غريب يالقاله اصحاب
وفويـــن وحيد يـــــالقاله خوا وفويـــــــن عقيــــم يأمل فالنجاب
لكن لم ما كيـــــــــــــفها مرا وعذاب القزن ماكيــــــــفا عـذاب
وهنا يفصح الشاعر عن مراده ولكن لا ليخبرنا عنه بل ليزيد الحقيقة مرارة على مرارتها
فمرارة فقد الأم حقيقة
وأنه لا عِوض عنها حقيقة ثانية
والحقيقة الثالثة والأمرُّ أن الذي يحل محل الأم هو شيء جامد لا دفء ولا حياة فيه..!!
وقزيـــــن البات أمه اتسندا وفاقد ألام يـــــــــــــــــــسند الباب
نعم الباب .. تلك القطعة الخشبية الجامدة هي البديل الحصري عما هو أفضل من
الهواء وضي الشمس ووصول السحاب
وخضرت لرض ونجوم السماء وافخر ليـــــــكال وانواع الشراب
وعز المال وانجاب الابنـــــــــا وكسب القوت وخيـــــــار الدواب
يا له من عِوض بخيس .. ويا لها من صورة قاتمة تصور حياة اليتيم بعد رحيل أمه.
ولكن لماذا الباب بالتحديد ولمَاذا لم يكن الجدار أو أي شيء آخر بدلاً من الباب..؟؟
هل لأن القافية أرغمت الشاعر .. ؟؟
وهل شاعرٌ مَن ترغمه القوافي ..؟؟
الباب .. يستند عليه اليتيم من الخارج علَّه يدخل فيجد بالداخل شيئاً من الدفء والحنان .. ويستند عليه من الداخل علَّه يهرب من مكان لم يجد فيه بغيته.
الباب هو أقصى مكانٍ في البيت وأبعده عن أماكن العطف والحنان والدفء.
الباب هو أداة الإغلاق والصد والحرمان والمنع.
الباب هو ذلك الجزء المتحرك من البيت .. والذي لا يمكن الاستناد عليه لفترة طويلة.
وقزيـــــن البات أمه اتسندا وفاقد ألام يـــــــــــــــــــسند الباب
يقول الفقهاء : يتيم الحيوان مَن فقد أمه .. ويتيم الإنسان مَن فقد أباه .. لكن الزروق البريكي يقول :
وقزيـــــن البات أمه اتسندا وفاقد ألام يـــــــــــــــــــسند الباب
ونلاحظ أيضاً أن فعل الإسناد قد تكرر في شطري البيت لكنه في الشطر الأول إسناد وأما في الشطر الثاني فهو استناد .. فاليتيم الذي فقد أمه لم يجد من يُسنده حتى إلى الباب
وقزيـــــن البات أمه اتسندا وفاقد ألام يـــــــــــــــــــسند الباب
إنها صورة مأساوية لرسَّام أبدع في تصويرها .. صورة ذلك الطفل اليتيم الذي يستند على الباب في انتظار من يمسح على رأسه أو يقول له كلمة تشعره بأدميته .. وبأنه إنسان حتى وإن كان بلا أم.
صورة الإنسان المعذب في وقت مبكر لا يقوى فيه على العذاب .. ولا يفهم معنى العذاب ولا لماذا عُذب.
وبهذا البيت يختتم الزروق البريكي قصيدته لتظلَّ هذه الصورة عالقةً في ذهنك تُشعرك بمأساة اليتيم وبما يعانيه من مرارة اليتم والحرمان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قراءة في قصيدة (الأم) للشاعر الزروق البريكي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع مجموعة الاربعاء الثقافي سبها :: الفئة الأولى :: النقد والدراسات-
انتقل الى: